عبد الملك الجويني

317

نهاية المطلب في دراية المذهب

المسألة من أن تشاء ، هذا هو الذي عليه التفريع ، فلو أنها شاءت ، فتطلِّق نفسها ، وتقول : شئت ، وطلقت نفسي ، ولا يكفي أن تقول : شئت ؛ فإنه لم يعلّق الطلاق على مشيئتها بل علق تفويض الطلاق إليها على مشيئتها . فلو قال : طلقي نفسك ثلاثاً ، فطلقت واحدة ، وقعت الواحدة ، وهذا الأصل مشهورٌ قدمنا ذكره . فلو قال : طلقي نفسك إن شئت ثلاثاً ، فلو أنها شاءت طلقةً واحدةً ، وطلقت نفسها واحدة ، قال صاحب التلخيص لا يقع شيء ، وكذلك لو قال لها : طلقي نفسك إن شئت واحدة ، فشاءت ثلاثاً ، فطلقت نفسها ثلاثاً ، فلا تقع واحدة منها . وعلة ما ذكره أنه لم يملّكها الثلاث ولا الواحدة في المسألتين تمليكاً مجرداً ، بل علّق التمليك بمشيئة موصوفة بصفةٍ ، فإذا قال : طلقي نفسك إن شئت ثلاثاً ، فقد شرط في ملكها الطلاق أن تشاء ثلاثاً ، وكذلك عكس هذا . وذكر الأصحاب ما ذكره ، ووافقوه . ومسألتاه مصورتان فيه إذا خلّل ذكرَ المشيئة بين قوله : طلقي وبين قوله ثلاثاًَ أو واحدة ، فلو قال : ثلاثاًَ إن شئت ، أو طلقي نفسك واحدة إن شئت ، فذكر المشيئةَ بعد ذكر العدد أو بعد ذكر الواحدة ، فلو شاءت واحدةً وقد جرى التفويض في ثلاث ، وقعت الواحدة . ولو طلقت نفسها في مسألة الواحدة ثلاثاً ، وقعت الواحدة ، كما لم يكن في المسألة مشيئة ، ولكن لا بدّ من أن تذكر المشيئة . ومجرد تطليقها نفسها لا يكفي . والفرق بين ذكر المشيئة قبل [ العدد ] ( 1 ) ، وبين ذكرها بعدَه أنه إذا قال لها : " طلقي نفسك إن شئت ثلاثاً " ، فإذا لم تشأ ثلاثاًَ لم تتحقق مشيئتها ؛ فإنه وصف مشيئتها بالتعلّق بالثلاث ، فإذا لم تحصل المشيئة المشروطة ، فلا يقع الطلاق ، فمهما ( 2 ) ذكر العدد بعد المشيئة فالعدد متعلق المشيئة ، وكذلك لو قال : طلقي نفسكِ

--> ( 1 ) في الأصل : العدّة . ( 2 ) فمهما : بمعنى : فإذا .